لماذا بعض أشكال سرطان الدم يؤثر في الغالب على الأطفال ؟

وفقا لجمعية السرطان الأمريكية (ACS)، فإن سرطان الدم الذي يعطل النمو الطبيعي للخلايا في الدم ونخاع العظام يمثل ما يقرب من ثلث جميع حالات السرطان في الأطفال، ويظهر المرض في أشكال مختلفة، وتتطور الأنواع الفرعية التي تؤثر في الغالب على الأطفال بشكل سريع وتتطلب علاجا فوريا وقويا، وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه بين سرطان الدم لدى الأطفال والبالغين، إلا أن الدلائل تشير إلى أن السرطانات لا تشترك في الجذور الوراثية نفسها.

 

قال الدكتور توماس ميرشر، مدير أبحاث أمراض الدم والأورام بالمعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية ومعهد البحوث في فيلجويف، فرنسا، ما كان معروفا منذ بعض الوقت هو وجود اختلافات جينية واضحة بين سرطان الأطفال وسرطان البالغين، وقال ميرشر إن الدراسات تشير إلى أن المراوغات الجينية المحددة التي تظهر في خلايا سرطان الدم في الطفولة قد تنشأ في وقت مبكر جدً من الحياة، أو حتى في الرحم، ولكن كيف يحدث ذلك خطوة بخطوة غير واضح بشكل عام، والآن، يشير بحث جديد إلى أن سرطان الدم في مرحلة الطفولة قد يكون قادرا على اختطاف الخلايا الصغيرة النامية فقط مثل تلك الموجودة في الأجنة والأطفال وليس الخلايا الناضجة للبالغين الكاملين النمو.

للتحقيق في سبب أن بعض سرطان الدم قد يفترس الخلايا غير الناضجة، جمع ميرشر وزملاؤه عينات جينية من مرضى صغار يعانون بشكل عدواني خاص من سرطان الدم النخاعي الحاد (AML) وكرروا المرض في نماذج الفئران، وتشير دراسة الفريق، التي نشرت، إلى سبب ظهور السرطان مبكرا في الحياة، غالبا قبل بلوغ الطفل المصاب عامين، وأضاف ميرشر أن التغيرات الجينية التي درسناها هنا توجد فقط في سرطان الدم لدى الأطفال.

 

بشكل عام، فإن سرطان الدم النخاعي الحاد منتشر في البالغين أكثر من الأطفال، ووفقا لجمعية السرطان الأمريكية، فإن المرض يمثل أقل من 25٪ من جميع حالات سرطان الدم لدى الأطفال، ومع ذلك، يظهر نوع فرعي نادر يسمى ابيضاض الدم النقوي الحاد من النوع 7 (AML-M7) في الغالب عند الأطفال تحت سن الثانية، ويصاب الأطفال الذين يعانون من أشكال أخرى من AML بالمرض في وقت لاحق من العمر حوالي سن السادسة، وأشار الباحثون في بيان إلى أن معدلات البقاء على قيد الحياة أفضل من الأفراد الذين يعانون من النوع الفرعي الأكثر عدوانية.

 

طفرات على نمط فرانكشتاين :

في عام 2012، جمع الفريق خلايا سرطان الدم من كل من الأطفال والبالغين الذين لديهم AML-M7 ، واكتشفوا فرقا رئيسيا بين المادة الوراثية لدى الأطفال مقابل البالغين، واحتوت العديد من خلايا الأطفال على جينات اندمجت معا، على نمط فرانكنشتاين، لتشكيل جينات هجينة جديدة، ويعتقد الباحثون أن الجينات تلعب بشكل فردي أدوارا مهمة في نمو خلايا الدم، ولكن بمجرد التصاقها ببعضها البعض قد توجه هذه الجينات الخلايا لبناء بروتينات غير عادية وتتحول في النهاية إلى خلايا سرطانية، لم تظهر أي من جينات الإندماج هذه في خلية واحدة من سرطان الدم البالغة، مما ألمح إلى أن الفريق قد يكون على شيء ما.

 

بعد أن نشر الباحثون هذه النتيجة الأولية، وجدوا هم وعلماء آخرون أدلة كافية على جينات الإندماج في سرطان الدم AML-M7، ولكن لا أحد يعرف بالضبط ما الذي فعلته هذه الجينات الهجينة أو لماذا ظهرت في الأطفال فقط، ولذا، واصل ميرشر وزملاؤه التحقيق، وركزوا أبحاثهم على جين الإندماج المعروف بإسم ETO2-GLIS2، وكتب الباحثون أنه من خلال دمج جينين منفصلين عادة، ETO2 و GLIS2، تظهر الطفرة في حوالي 30% من الأطفال المصابين بـ AML-M7 ويبدو أنها مرتبطة بالإستجابات الضعيفة لعلاج السرطان ومعدلات البقاء المنخفضة، ولمعرفة كيفية تحفيز هذه الطفرة للسرطان، لاحظ الفريق كيف تمكن جين الإندماج من السيطرة على الخلايا الجذعية المكونة للدم، وهي الخلايا التي تؤدي عادة إلى ظهور خلايا الدم السليمة ولكن يمكن أن تختطف بسبب سرطان الدم.

 

طور العلماء نموذجا للفأر يمكن من خلاله تشغيل طفرة ETO2-GLIS2 أو إيقاف تشغيلها في نسيج معين داخل الفأر، ولقد أجروا تجربتهم في كل من الفئران الجنينية والبالغة لمعرفة ما إذا كان جين الإندماج سيؤثر على الخلايا بشكل مختلف اعتمادا على مرحلة نمو الخلايا.

 

اتضح أن هذا ما حدث بالضبط، وعندما قام الفريق بتنشيط ETO2-GLIS2 في الخلايا الجذعية الجنينية، بدا أن البروتينات الناتجة تتلاعب بالمسارات الخلوية التي تحول الخلايا عادة إلى خلايا دم صحية، وفي الأساس، جين الإندماج سرعان ما حول الخلايا الجذعية إلى سرطان الدم العدواني، ومنعوا تنشيط ETO2-GLIS2 في نفس الفئران فتم كبح نمو السرطان وسمح للخلايا الجذعية أن تتحول إلى دم طبيعي مرة أخرى.

وبالمقارنة، بدت الخلايا الجذعية البالغة أقل عرضة للإصابة بسرطان الدم عندما تم تنشيط ETO2-GLIS2، على حد قول ميرشر، وفي الواقع، لم يبد جين الإندماج محركا رئيسيا لتطور سرطان الدم في الفئران البالغة، وقال ميرشر، إن المرحلة التنموية للخلايا التي تنشأ فيها الطفرة تحدد العدوانية ونوع سرطان الدم التي تصاب به.

 

قال الدكتور ميجنون لوه، طبيب أمراض الدم والأورام للأطفال في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إن النتائج تظهر أنه يجب على المزيد من الأشخاص الإنتباه إلى بيئة نخاع عظام الجنين حيث يمكن العثور على الخلايا الجذعية المكونة للدم، وإن البيئة المباشرة أو المكان المناسب حيث تتطور الخلايا الجذعية الجنينية تبدو مختلفة تماما عن البيئة المحيطة بخلية بالغة، وقال لوه، عندما تكون طفلا وتحتضن لمدة 9 أشهر، فإن هذا المكان نقي جدا، وقال إن الفروق المهمة بين سرطان الدم لدى الأطفال والبالغين قد تكمن في كيفية عمل النخاع العظمي لدى الأشخاص من مختلف الأعمار، وكيف يسيطر السرطان على هذا النسيج لأغراضه الخاصة.

 

قال لوه، إن البحث في الجين ETO2-GLIS2 قد يسلط الضوء أيضا على كيفية اعتماد الأشكال الأخرى لسرطان الدم لدى الأطفال على جينات الإندماج، شرط أن تكون نتائج الفريق في الفئران صحيحة لدى البشر، وعلى نطاق أوسع، قال إن إجراء المزيد من الأبحاث حول طبيعة الخلايا الجذعية الجنينية بشكل عام يمكن أن يكشف عن سبل أخرى يستغل فيها ابيضاض الدم الخلايا النامية، وقال لوه، قد يكون هناك شيء متساهل حول خلية جذعية تشبه الجنين تسمح لها بالتحول إلى سرطان خبيث، وأضاف ميرشر أنه إذا استطاعت الأبحاث المستقبلية تحديد كيف تسبب الطفرات الخاصة بالطفل سرطان الدم، فيمكن تطوير الأدوية لتثبيط المرض أو إيقافه.

مواضيع مميزة